ابن خلدون

438

تاريخ ابن خلدون

مانعا من الرجوع من قول قبيح ولا فعل بل خلفت الوسائل المرعية والآثار الخالدة والسير الجميلة وانصرفت بقصد شريف فقت به أشياخي وكبار وطني وأهل طوري وتركتكم على أتم ما أرضاه مثنيا عليكم داعيا لكم وان فسح الله في الأمد وقضى الحاجة فأملى العودة إلى ولدى وتربتي وان قطع الاجل فأرجو ان أكون ممن وقع أجره على الله فان تصرفي صوابا وجار يا علي السداد فلا يلام من أصاب وان كان عن حمق وفساد عقل فلا يلام من اختل عقله وفسد مزاجه بل يعذر ويشفق عليه ويرحم وإن لم يعط مولاي أمرى حقه من العدل وجليت الذنوب ونشرت بعدي العيوب فحياؤه وتناصفه ينكر ذلك ويستحضر الحساب من التربية والتعليم وخدمة السلف وتخليد الآثار وتسمية الولد وتلقيب السلطان والارشاد إلى الأعمال الصالحة والمداخلة والملابسة لم يتخلل ذلك قط خيانة في مال ولا سر ولا غش في تدبير ولا تعلق به محار ولا كدره نقص ولا حمل عليه خوف منكم ولا طمع فيما بيدكم وإن لم تكن هذه دواعي الرعي والوصلة والابقاء ففيم تكون بين بني آدم وأنا قد رحلت فلا أوصيتكم بمال فهو عندي أهون متروك ولا بولد فهم رجالكم وخدامكم ومن يحرص مثلكم على الاستكثار منهم ولا بعيال فهي من مزايات بيتكم وخواص داركم انما أوصيكم بتقوى الله والعمل لغد وقبض عنان اللهو في موطن الجد والحياء من الله الذي محص وأقال وأعاد النعمة بعد زوالها لينظر كيف تعملون وأطلب منكم عوض ما وفرته عليكم من زاد طريق ومكافأة وإعانة زادا سهلا عليكم وهو أن تقولوا لي غفر الله لك ما ضيعت من حقي خطأ أو عمدا وإذا فعلتم ذلك فقد رضيت واعلموا أيضا على جهة النصيحة ان ابن الخطيب مشهور في كل قطر وعند كل ملك واعتقاده وبره والسؤال عنه وذكره بالجميل والاذن في زيارته حنانة منكم وسعه درع ودها فإنما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت ثم أقشعت وترك الا زاهر تفوح والمحاسن تلوح ومثاله معكم مثل المرضعة أرضعت السياسة والتدبير الميمون ثم رفدتكم في مهد الصلح والأمان وغطتكم بقناع العافية وانصرفت إلى الحمام تغسل اللبن والوضر وتعود فان وجدت الرضيع فحسن أوقد انتبه فلم تتركه الا في حد الانفصام ونختم هذه العزارة بالحلف الأكيد أنى ما تركت لكم وجه نصيحة في دين ولا في دنيا الا وقد وفيت لكم ولا فارقتكم إلا عن عجز ومن ظن خلاف هذا فقد ظلمني وظلمكم والله يرشدكم ويتولى أمركم ويعول خاطركم في ركوب البحر انتهت نسخة الكتاب وفى طيها هذه الأبيات صاب مزن الدموع من جفن صبك * عندما استروح الصبا من مهبك كيف يسلو يا جنتي عنك وقد * كان قبل الوجود جن بحبك